حين غرد المرشح للرئاسة الأمريكية دونالد ترامب بأنه سوف «يجفف مستنقع» الفساد في واشنطن، كان أحد كبار جامعي التبرعات لحملته وحملات الحزب الجمهوري على قناعة بأن المستنقع لن يجف في أي وقت قريب، والسباحة فيه ما تزال ممكنة. وهكذا قرر إليوت برويدي أن يستثمر رصيد خدماته لدى ترامب والجمهوريين، فعقد شراكة فساد وإفساد مع رجل الأعمال الأمريكي من أصل لبناني جورج نادر، فيتولى الأول الهمس في أذن الرئيس الأمريكي، ويتعهد الثاني بالصلة مع «الأميرين»، محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، ومحمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي. وأما الهدف فهو تحريض البيت الأبيض ضد قطر، والسعي إلى نقل قاعدة «العديد» الأمريكية إلى أبو ظبي، والعمل على استصدار تشريع من الكونغرس يتهم الدوحة برعاية الإرهاب. وفي المقابل، يطمع الشريكان إلى حيازة عقود استثمار واستشارات وخدمات عسكرية وأمنية تبلغ قرابة المليار دولار.

قبل ثلاثين عاماً، صدر كتابٌ سميك للمؤرخ البريطاني ـ الأمريكي بول كيندي تصدّر قائمة المبيعات في حينه، وقد نُقل إلى العربية تحت عنوان «نشوء وسقوط القوى العظمى». وشأنه في ذلك شأن كافة الكتب غير الخيالية الأكثر مبيعاً عند صدورها، كان رواج كتاب كيندي عائداً لتناسبه مع «روح الزمن». في ذلك الزمن، كانت تسود في الغرب مخاوف من أن سياسة التصعيد الأقصى للنفقات العسكرية التي انتهجتها إدارة الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان سوف تؤدّي إلى خراب اقتصادي وتفاقم «أفول الإمبراطورية الأمريكية» الذي بلغ الحديث عنه ذروة في عهد الرئيس السابق جيمي كارتر.

كتاب ومحللون إسرائيليون صاروا عربا... وبعض الكتاب والمحللين العرب صاروا إسرائيليين.

منقوع الألم ومعاناة السؤال يمكن تغليفهما وتعليبهما في الأردن عندما يتعلق الأمر بتلك المفارقات التي تسجلها مشاهد يطرحها المواطن الأردني البسيط ويناقشها ويوثقها مقابل العبارة الشهيرة لرئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي والتي وعد فيها الأردنيين بأفضل الخدمات مقابل التصعيد الضريبي.

بعد جولة أوروبية في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا للتداول حول القرار الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه مع إيران عام 2015، كشف وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو تفاصيل ما سُمي بـ»خارطة طريق دبلوماسية» تتضمن الاستراتيجية الأمريكية لمرحلة ما بعد سحب المشاركة الأمريكية في الاتفاق. ولقد اختار أن يفصح عن هذه التفاصيل في خطاب مكتوب ألقاه من منبر «مؤسسة التراث» الأمريكية، التي تعد واحدة من أعتى قلاع المحافظين في الولايات المتحدة، وتلك كانت إشارة أولى على طبيعة ما تعتزمه واشنطن خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

يفترض في الدولة العصرية، وبغض النظر عن الرؤى الإيديولوجية والأولويات السياسية الموجهة لدورها، أن تلتزم في اقترابها من المجتمع وشرائحه قاعدتين رئيسيتين: الحياد والتوافق. فمن جهة أولى، لا تنظر الدولة حين تصيغ الأطر الدستورية واللوائح القانونية المنظمة لحركة الأفراد في المجال العام إلى انتماءاتهم الطبقية أو العرقية أو الدينية أو غيرها من الولاءات الأولية التي يفترض في فضاء المواطنة الرحب تخطي حدودها الضيقة.

في يوم واحد ارتكب نظام الفصل العنصري مذبحة تعادل، ما يحفر في ذاكرة شعوب أخرى، على مدى التاريخ، مطالبة بمحاكمة المسؤولين كمجرمي حرب. مؤرخة حياة الضحايا، لئلا تنسى، لئلا يكون القتل عاديا ومألوفا. 63 شهيدًا و2884 جريحاً على حدود غزة في «مليونية الزحف»، في ذكرى مرور 70 عاما على النكبة، تأسيس النظام الصهيوني، ورفض الشعب الفلسطيني، حامل عبء المحافظة على الكرامة العربية والإسلامية، اعلان القدس عاصمة للكيان اللقيط.

جرى عرس زواج الأمير هاري، حفيد ملكة بريطانيا، من الممثلة الأمريكية ميغان ماركل، كما خُطط له. وانتهى كما خُطط له أيضا، بلا منغصات، ووسط أجواء احتفالية ممتعة عاشتها السبت الماضي بلدة وينزر غرب لندن خصوصا وبريطانيا عموما.

ليس من عادة الانتخابات العربية تقديم مفاجآت حقيقية لمواطنيها وللعالم، وهذا لأنه صار معروفاً أن الاقتراع والتصويت يجريان في مكان، فيما تقبع السلطات الحقيقية الحاكمة في مكان آخر، بحيث تشبه الانتخابات التي تجريها الأنظمة العربية القول المنسوب للخليفة العباسي هارون الرشيد وهو يخاطب سحابة مثقلة بالمطر: أمطري حيث شئت، فإن خراجك لي.

لبنان استثناء في العالم العربي لجهة الاستمرارية الدستورية. هذا بمعنيين، أوّلهما أن دستوره الفرنسي المعرّب لعام 1926 ما زال هو الإطار النصي الذي خضعت مواده لسلسلة من التعديلات بعد ذلك، أبرزها التعديلات ابان الاستقلال اللبناني عن فرنسا في خريف 1943، والتعديلات في ضوء اتفاق الطائف، وهذه اعتبرت «دستورا جديدا» بمعنى من المعاني، مع انه لم يكتب دستور جديد، وانما جرى التعديل على مسودة القديم، واضافة مقدمة له كانت غائبة عنه، من دون ان تلغي المساحة الواسعة لتعديلات ما بعد اتفاق الطائف، التي رافق عدد منها تعديلا تشويهيا او تدليسيا للمتفق عليه في الطائف، مثـل زيـادة عـدد النواب اكثر مما جرى عليه الاتفاق، وتنحية اي صلاحية تفسيرية للدستور للمجلس الدستوري المكتفى لـه بـمراقبة دستورية القوانـين.

ما حدث في الاسبوعين الماضيين على الساحة الفلسطينية يدفع باتجاهين مختلفين تماما: فهو يؤكد ان 70 عاما من الاحتلال الاسرائيلي وما حظي به من دعم غربي متواصل وغير مسبوق لم يحسم الموقف لصالح المحتلين وداعميهم، وان الشعب الفسطيني ما يزال متمسكا بارضه ومستعدا لتقديم التضحيات من اجلها. ومن جهة اخرى فان ردود الفعل العربية تصيب المرء بالكآبة لغياب المواقف المسؤولة ليس من جانب الانظمة فحسب، بل حتى من الشعوب نفسها. فأين هي المشكلة حقا؟ وما طبيعة خريطة التوازنات الايديولوجية والسياسية التي ادت لهذا التغير في المزاج العام بعيدا عن الاهتمام بقضايا الامة خصوصا قضية فلسطين؟

قبل حوالي ثلاثين عاما، نفذ تيار الإسلام السياسي في السودان إنقلابا عسكريا، وأقام نظاما سيطر به على كل مفاصل العمل السياسي والإقتصادي والإجتماعي في البلاد، ولا يزال يسيطر. وطيلة فترة الثلاثين عاما هذه، ظل النظام يفرض سطوته على البلاد بقوة الحديد والنار، رغم المتغيرات الكثيرة التي شهدتها بنيتة، بما في ذلك محاولات إضفاء مسحة ديمقراطية، متحكم فيها وتحت السيطرة، على هذه البنية، خاصة بعد إتفاقية السلام الشامل في العام 2005. وفي الحقيقة، مسحة الديمقراطية المتحكم فيها هذه، وشخصيا لا أرى أي علاقة لها بالديمقراطية، ظلت تشكل حضورا في عالمنا الراهن، وخاصة في منطقتنا العربية، والذي يشهد تلاشي أنظمة الاستبداد والطغيان في شكلها الكلاسيكي القائم على خنق كل شيء عبر ديكتاتورية سافرة لا تسمح بإختلاف الرأي حتى ولو شكليا أو صوريا. ورغم وجود، ربما مثال أو اثنين لذلك النظام المتلاشي في عالمنا المعاصر، إلا أن العالم، ومنذ حقبة النصف الثاني من القرن العشرين، شهد تحورا وتحولا في بنية هذه الأنظمة نحو تبني المزيد من الانفتاح والديمقراطية، لكن في حدود الشكل والصورة فقط، أي الإبقاء على طابع النظام الاستبدادي، ولكن بصبغة مخففة ملطفة ناعمة الملمس، حيث يسمح لك بالصراخ كما وكيف ما شئت، ما دامت النتيجة هي فقط سماع رجع صدى صوتك!. ولعل درجة التخفيف واللطافة ونعومة الملمس في صبغة أنظمة الإستبداد والطغيان هذه، تتحدد وفق المستوى الحضاري والثقافي والأخلاقي لقادة هذه الأنظمة، وربما كان هذا هو السبب في إفتقار نظام الخرطوم وقادته لأي لطافة أو نعومة ملمس، عكس ما كان الحال في نظامي بن علي ومبارك في تونس ومصر.

شكّلت قمة التعاون الإسلامي الاستثنائية المنعقدة في مدينة إسطنبول التركية ذروة منطقية بين خطي: العدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي (المتمثل بنقل سفارة واشنطن إلى القدس، والمجزرة الفظيعة المرتكبة في غزة)، وخط المواجهة العربية ـ الإسلامية لهذا التصعيد السياسي ـ العسكري غير المسبوق على الفلسطينيين.

تعمد كل الأنظمة السياسية في العالم، بما فيها الديمقراطية قبل الديكتاتورية إلى تنميط الشعوب ووضعها في قالب واحد يناسب الأنظمة الحاكمة، ويسير على هواها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وحتى دينياً. فلا تنسوا أن الدين حتى في العالم الإسلامي مجرد أداة في أيدي الحكومات لتطويع الشعوب وتسييرها في الخط الذي يخدم الأنظمة بالدرجة الأولى قبل أن يخدم الشعوب نفسها. وقد سمعنا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل أسابيع وهو يتبرأ من الحركة الوهابية التي عاش عليها نظامه منذ عقود وعقود، فقد قال للصحافة الأمريكية إن الإسلام السعودي المعروف بالوهابي ليس إسلامنا، بل هو نوع من الإسلام الذي فرضته علينا أمريكا لنواجه به الشيوعية. قالها الرجل بكل جرأة مع أن ما قاله يدينه ويدين نظامه قبل أن يدين أمريكا.

لم يعط «المشير» تفسيرا لموافقته على إقامة الاحتفال بمرور سبعين عاما على «النكبة» واغتصاب فلسطين في قلب القاهرة، يوم الثلاثاء قبل الماضي، وكانت القاهرة وستعود عاصمة العرب عن جدارة، ولم يعلن موقفا عن ما يحدث على الحدود بين غزة ورام الله من جهة وباقي فلسطين التاريخية (المحتلة) من جهة أخرى، وشَغَل المواطنين بالرفع الجنوني لأسعار بطاقات السفر بقطارات الأنفاق (المترو).

كان الحلاق الجزائري في محل الحلاقة الذي أختلف إليه في حي إقامتي في لندن يتحفني بنظريات متنوعة في مسائل السياسة والاجتماع. يتكلم بلهجة الواثق العارف بخفايا الأمور ولا يعبأ بما يمكن أن تثيره آراؤه الطريفة من علامات استفهام أو استغراب. أما زميله البريطاني وزميلته الكورية (الجنوبية)، فإنهما لا يتحدثان في السياسة. وقد اعترف لي البريطاني قبل أشهر من موعد الاستفتاء على البركسيت عام 2016 بأنه غير مطلع بما فيه الكفاية على القضايا الكثيرة التي تتعلق بخروج بريطانيا أو بقائها في الاتحاد الأوروبي، ولهذا كان ما زال لم يحسم أمره بعد لأي الجانبين سيصوت. ولكن رغم عزوف الحلاقة الكورية عن السياسة، فإنها قالت لي قبل أسابيع إن مواطنيها في كوريا الجنوبية لا يخشون زعيم كوريا الشمالية ولا يتوقعون منه أي سوء، بل إن من يخشونه حقا هو رئيس الولايات المتحدة. وأضافت شارحة أن كيم جونغ أون ليس مجنونا، بل هو رجل في أتم مداركه العقلية، أما المجنون فعلا فهو ترامب.

أمر لطيف أن تجعل المصادفات الزمنية (لا الاتفاقات السياسية أو الدينية) العراقيين من سنّة وشيعة يصومون في يوم واحد، فالمعتاد في «أرض السواد» (كما أطلق المسلمون على بلاد الرافدين عند فتحها) أن يختلف أصحاب المذهبين خلافا شديدا لم تفلح مئات السنين، ولا إنشاء الدولة الوطنية الحديثة، أو تأسيس الأحزاب السياسية القومية والأيديولوجية، في تخفيف جذوته ولو إلى درجة الاتفاق البسيط على يوم موحد للصوم أو العيد كما هو الأمر مع «أعياد» تولّي الحاكم للحكم وتأسيس الجيش والاستقلال عن الأجنبي وغيرها من أعياد.

ينعي الكاتب البريطاني بول فالليلي زمناً، مضى وانقضى، كان فيه السياسي المُذلّ (لأسباب أخلاقية، أولاً)، يعتزل العمل السياسي، وينسحب من الحياة العامة، بل يتوارى عن الأنظار، ندماً وخجلاً. «في المرآة المشوهة لعالمنا المناهض للحقيقة»، يكتب فالليلي في مقالة نشرها موقع Church Times قبل أيام، «أصبح الفضفاض الطنان دبلوماسياً، والكاذب وخارق القانون صادقاً صدوقاً وبطلاً». والنموذج المقصود، تعييناً لا تلميحاً، هو الكولونيل الأمريكي المتقاعد أوليفر نورث، الذي انتُخب مؤخراً رئيساً لـ«رابطة البندقية الوطنية» الأمريكية، أقوى مجموعات الضغط في ميدان ترخيص حمل السلاح الفردي. هذا رغم أنه بطل الفضيحة الشهيرة «كونترا ـ غيت» حول تزويد إيران بأسلحة متطورة عبر إسرائيل (سبحان الذي يغيّر ولا يتغيّر!)، ورغم إدانته بالكذب على رؤسائه، وتضليل الكونغرس، وتزوير وثائق رسمية...

الملاحظة الأهم التي كشفت عنها انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2018 هي النسبة المتدنية للمشاركة؛ حيث لم تزد نسبة المصوتين عن 44.5٪ من مجموع الناخبين في حين بلغت في الانتخابات الثلاثة الماضية 76.4٪، 62.4٪، 60٪ في انتخابات الاعوام 2005 و2010 و2014. ويعود سبب هذا الانخفاض، غير المسبوق في المشاركة، إلى عاملين أساسيين: الأول رفض الجمهور للطبقة السياسية القائمة وعدم الثقة بها، مع ما يعكسه ذلك من ازمة ثقة تتعلق بالنظام السياسي ككل. والثاني هو ان استخدام النظام البايومتري (بطاقة ناخب تحتوي على صورة وبصمة إبهام الناخب) لأول مرة في هذه الانتخابات، مع استثناءات قليلة، قد منع عمليات التزوير الواسعة التي كانت تحدث فيما سبق (أي منع عمليات التصويت بالنيابة/ التسويد).

مر شهر على المقاطعة الشعبية لثلاثة منتوجات أساسية (حليب «سنطرال» الذي تنتجه شركة دانون، وماء «سيدي علي» الذي تنتجه شركة والماس، ومحطة البنزين «إفريقيا» التي يديرها الوزير الثري عزيز أخنوش). مقاطعة بدأت بفعل مجتمعي على وسائل التواصل الاجتماعي، وتواصلت دون تدخل الحكومة أو الدولة، ثم تحولت إلى حالة نفسية مجتمعية رافضة الاحتكار والاستغلال الجشع للمواطن البسيط.